بيل هوكس: النسوية للجميع؛ سياسة شغوفة.

  • بواسطة


كتابة: بيل هوكس

ترجمة: هاجر بن ادريس
مراجعة: لجين اليماني

 موجز المترجمة:

بيل هوكس (1952)هو الاسم المستعار لجلوريا جينز واتكينز وهي كاتبة نسوية أمريكية اعتنت بقضايا النساء السوداوات وعالجت في العديد من الكتب والمقالات مسألة الهوية النسوية. يعتبر كتابها النسوية للجميع: سياسة شغوفة (2000) من أبرز المؤلفات التي تمهّد للفكر النسوي. وهو كتيّب يصحّ وصفه بالسهل الممتنع حيث استعملت هوكس لغة مبسّطة وأسلوبا سلسا مبتعدة في ذلك عن اللغة الأكاديمية المُعتَّمة والمصطلحات التي يصعب فهمها على غير ذوي الاختصاص. أما ما يجعله ممتنعا فهو دراية الكاتبة وتمكنها من القضايا النسوية. وبالتالي فإن سهولة قراءة الكتاب تتأتى بالأساس من خبرة هوكس ودربتها في الكتابة عن أسئلة حارقة لا تزال تصطدم بعدم معرفة جمهور واسع من الناس بالحركة النسوية. 

ولئن انتظرت هوكس عشرين سنة كي تكتب هذا النص فقد انتظرتُ تقريبا نفس المدة كي أترجم جزءا منه. وبتمكن مجلة نظر الحصول على حقوق الترجمة للمقدمة والفصل الأول للكتاب فإن الفكر النسوي الذي تتحدث عنه الكاتبة بكل شغف باستطاعته الآن أن يصل كذلك إلى القارئ(ة) العربي(ة). فالنسوية هي فعلا للجميع ولا تقتصر على جنس أو عرق. وذلك لأن النسوية، كما تعرفها هوكس، هي حركة تهدف إلى إنهاء التمييز على أساس الجنس (sexism) في كل ثقافات ومجتمعات العالم. وهو تعريف اقترحته بيل هوكس في مقدمة الكتاب ثم كررته مرارا في الفصل الأول حتى يرسخ في ذهن القراء. جاءت المقدمة في شكل دعوة إلى الجميع للاقتراب من الفكر النسوي ومحاولة فهمه من المصدر. إذ تعتقد هوكس أن السبب الأساسي في معاداة النسوية يكمن في الخوف المبني على الجهل بهذه الحركة. فكان الفصل الأول مدخلاً لتبديد المخاوف من النسوية وتفنيد الأكاذيب التي تحوم حولها. كما تطرقت بعين ناقدة إلى المدّ الأول في الحركة النسوية وتجاهله للقضايا العرقية والطبقية. وتختم الفصل بدعوة ملحة إلى إدراج النسوية كمكوّن أساسي في حياتيا اليومية.  

الإحالة للنص الأصلي:

Hooks, Bell. Feminism is for everybody: Passionate politics. Pluto Press, 2000‏


المقدمة: اقتربوا من النسوية

أينما حللت، أخبر من يرغب أن يعرف من أكون وماذا أفعل بأنني كاتبة ومنظرة نسوية وناقدة ثقافية. أخبرالجميع بأنني أكتب عن السينما والثقافة الشعبية وأحلل الرسائل التي تنطوي عليها وسيلة الاتصال هذه. وهو ما يثير اهتمام الكثير منهم ويدفعهم للمزيد من الأسئلة.  فكلهم يذهبون إلى السينما ويشاهدون البرامج التلفزية ويطالعون المجلات ولديهم رؤى حول الرسائل التي يتلقونها والصور التي يشاهدونها. ومن السهل على الجمهور الذي ألتقيه بجميع أطيافه أن يفهم عملي كناقدة ثقافية وأن يستوعب شغفي بالكتابة (إذ يرغب الكثير منهم في الكتابة ومنهم من يكتب فعلاً). إلا أن الأسئلة تتوقف عند نقطة واحدة: النظرية النسوية. عندها عوض أن أقدّم الإجابات، أصبح مستمعة إلى كل ما يقال حول مساوئ النسوية والنسويات الشريرات: كرههن للرجال ونزعتهن ضد الطبيعة وضد الله. فكلهن مثليات ومغتصبات لكل الوظائف ومنغصات لحياة الرجال البيض الذين فقدوا كل الفرص.

وعندما أسأل هؤلاء الناس عن الكتب والمجلات النسوية التي قرؤوها وعن المحاضرات النسوية التي استمعوا إليها وعمّن يعرفون من الناشطات النسويات، يخبرونني بأن كل ما يعرفونه عن النسوية لم يصلهم من المصدر الأم وأنهم لم يقتربوا فعلا من الحركة النسوية بالقدر الكافي الذي يجعلهم يتعرفون فعلا على كنهها وعلى ما يحدث داخلها. إذ يعتقد أغلبهم أن النسوية هي مجموعة من نساء غاضبات يرغبن أن يتحولن إلى رجال. ولم يدر بخلدهم أن النسوية تتعلق بالحقوق -حق النساء في المساواة. إلا أن الأمر يختلف عندما أحدثهم عن النسوية التي أعرفها بدقة وبشكل شخصي، إذ يرغب الجميع في الإنصات رغم أنهم يسارعون في نهاية حواراتنا إلى القول بأنني مختلفة ولا أشبه النسويات “الحقيقيات” الغاضبات  اللاتي يكرهن الرجال. فأؤكد لهم بأنني حقيقية وجذرية كما يجب أن تكون عليه أي نسوية وأنهم إذا تجرؤوا على الاقتراب من النسوية فإنهم سيرونها مخالفة لما كانوا يتصورون.   

في نهاية كل لقاء، كنت أود لو كان في حوزتي كُتيّب كي أستطيع أن أقول “اقرؤوا هذا الكتاب، سيخبركم عن كنه النسوية عما تنطوي عليه هذه الحركة.” أود أن أمسك بكتاب وجيز سهل القراءة والفهم وليس كتابا ضخما مثقلا بمصطلحات ولغة أكاديمية يعسر استيعابها. كتاب بسيط سلس، مُبسّط وبعيد عن السذاجة. رغبت في كتاب كهذا منذ أن غيرت النسوية حياتي، فكرا وسياسة وممارسة. وددت لو أقدمه إلى الأشخاص الذين أحبهم كي يتمكنوا من فهم أفضل لهذه القضية، ولهذه السياسة النسوية التي تحولت إلى إيمان راسخ وأصبحت عماد حياتي السياسية.

لقد أردت منهم أن تكون لديهم إجابة عن سؤال “ما هي النسوية؟”، وأن تكون إجابة غير مرتبطة بالخوف أو الوهم. أردت منهم أن يقرؤوا هذا التعريف البسيط مرارا وتكرارا إلى أن يدركوا أن “النسوية هي حركة تهدف إلى إنهاء التمييز والاستغلال والاضطهاد على أساس الجنس.” كم أحب هذا التعريف الذي اقترحته لأول مرة منذ عشر سنوات في كتابي الموسوم النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز[1]. أحبه لأنه يبين بوضوح أن الحركة لا تمت إلى معاداة الذكور بصلة ولأنه يفصح عن أن المعضلة هي التمييز على أساس الجنس. ويساعدنا هذا الوضوح على أن نتذكر أننا تلقينا جميعا، إناثا وذكورا، ومنذ نشأتنا، تربية اجتماعية اعتمدت على تقبل الفكر والفعل القائمين على التمييز على أساس الجنس. وهو ما أنتج تمييزا يتقاسمه النساء والرجال على حد سواء.  وفي حين أن هذا الأمر لا يقدم عذرا أو تبريرا لهيمنة الذكور فإنه  يعني قطعا أنه من السذاجة وقصور التفكير أن تذهب المفكرات النسويات إلى الاعتقاد بأن الحركة هي مجرد دعم للنساء ضد الرجال. ولكي نتخلص من النظام الأبوي (وهو تسمية أخرى لمأسسة التمييز على أساس الجنس) علينا أن نعي بوضوح بأننا نتقاسم جميعا ترسيخ التمييز على أساس الجنس حتى نغير ما بعقولنا وقلوبنا ونترك الفكر والفعل القائمين على التمييز على أساس الجنس ونغيره بفكر وفعل نسوي.

إن فئة الذكور هي أكثر الفئات  المستفيدة من النظام الأبوي وهو نتاج فرضية تفوّقهم على الإناث وضرورة السيطرة علينا. إلا أن هذه الفوائد لم تكن لتتحقق دون ثمن. إذ أن الذكور مطالبون، مقابل ما يحرزونه من تفوق في نظام أبوي، بأن يفرضوا هيمنتهم على النساء وأن يستغلوننا ويضطهدوننا وأن يلتجئوا إلى العنف إن تطلب الأمر لذلك  حتى يتسنى لهم إبقاء النظام الأبوي على حاله. ولا يجد معظم الرجال السيطرة الذكورية أمرا هيّنا فالكراهية والخوف من المرأة وكذلك العنف الذي يسلطه الذكور على النساء يربك الكثير منهم حتى أولئك الذين يذهبون إلى ترسيخ العنف، إلا أنهم يخشون من فقدان تلك الفوائد. كما أنهم ليسوا متحققين مما يمكن أن يحدث لعالم خبروه جيدا في حالة تغير النظام الأبوي. ولذلك فإنهم يجدون أنه من الأيسر أن يدعموا بسلبية  الهيمنة الذكورية حتى وان كانوا يعرفون في دواخلهم أنهم مخطئون. ويكرر الرجال على سمعي مرارا بأن ليس لديهم أدنى فكرة عما تريده النسويات. وأنا أصدقهم في ذلك. كما أثق في قدرتهم على التغيّر والتطور. وأعتقد أنهم سيتخلصون من فزعهم من النسوية في حال نمت معرفتهم بها لأنهم سيجدون في الحركة النسوية أملا في خلاصهم من عبودية النظام الأبوي.

لقد ألّفت هذا الكتيب لأجل هؤلاء الرجال، شيبا وشبابا، وهو كتاب أمضيت عشرين سنة أتطلع لكتابته. كان يجب علي أن أكتبه لأنني انتظرت طويلا أن يصدر كتابٌ مثله دون جدوى. وفي غياب هذا الكتاب لا توجد وسيلة لمخاطبة عدد كبير من الناس في هذا الوطن ممن يتعرضون إلى قصف يومي من الردود العنيفة المناهضة للنسوية  ويُحَرَّضُون على كراهية ومقاومة حركة لا يعرفون عنها إلا النزر القليل. يجب أن يتوفر العديد من الكتب التمهيدية للنسوية وكذلك المنشورات والمؤلفات التي تخبرنا عن النسوية  والتي تسهل قراءتها فيكون هذا الكتاب بذلك مجرد صوت إضافي ينطق بشغف على لسان السياسة النسوية . يجب أن نرى لوحات إشهارية وإعلانات في المجلات وعلى الحافلات والقطارات وفي مترو الأنفاق وومضات إشهار تلفزية تنشر الدعوة إلى النسوية وتجعل العالم يتعرف أكثر عليها. لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. إلا أن هذا هو ما يجب أن نفعله كي نتقاسم النسوية ونجد مكانا للحركة في عقول وقلوب كل الناس. إن النسوية قد وجدت طريقها إلى حياتنا بشكل ايجابي. ومع ذلك فإننا لا نرى ما هو ايجابي لأننا لا نسمع إلا الأشياء السلبية عنها.

عندما بدأت مقاومة الهيمنة الذكورية والتمرد على أفكار النظام الأبوي (والتصدي لأقوى صوت أبوي في حياتي وهو صوت والدتي) كنت لا أزال مراهقة مكتئبة تساورها أفكار انتحارية ومتخبطة حول إيجاد معنى لحياتي ومكانٍ لنفسي. كنت بحاجة إلى النسوية لتمنحني أساس المساواة والعدالة كي أستطيع الصمود. ثم التحقت أمي بالفكر النسوي وهي تعتقد أنني وكل بناتها الست نعيش حياة أفضل بفضل السياسة النسوية. وترى في الحركة النسوية بِشرًا وأملا. وهذا البِشر والأمل هو ما أريد أن أتقاسمه معكم في هذا الكتاب. أريد أن أتقاسمه مع الجميع.

تخيلوا العيش في عالم لا توجد فيه هيمنة، عالم لا نتحدث فيه عن تشابه الإناث والذكور أو حتى المساواة الدائمة بينهم، بل عن رؤية تشاركية تشكل أخلاقيات التفاعل بيننا. تخيلوا العيش في عالم نستطيع فيه جميعا أن نحافظ على ذواتنا، عالم من السلام و الممكن. لا تستطيع الثورة النسوية أن تخلق هذا العالم لوحدها، إذ نحتاج إلى إنهاء الميز العنصري والنخبوية الطبقية والامبريالية. ولكنها ستمنحنا القدرة على تطوير طاقتنا كإناث وذكور قادرين على تكوين مجموعة متحابة تعيش في انسجام، محققة بذلك حلمنا بالحرية والعدالة ومقدمة الدليل على أننا “خلقنا كلنا سواسية’. هيا اقتربوا. انظروا كيف تستطيع النسوية أن تمس وتغير حياتكم وحياتنا جميعا. هيا اقتربوا وتعرفوا من المصدر الأول عن كنه الحركة النسوية. هيا اقتربوا وسترون أن النسوية للجميع.

السياسة النسوية: موقفنا

هذا تعريفنا المبسّط للنسوية: هي حركة من أجل إنهاء التمييز والاستغلال والاضطهاد على أساس الجنس. وهو التعريف الذي اقترحته منذ عشر سنوات في كتابي الموسوم النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز. وقد كان أملي في ذلك الوقت أن يصبح هذا التعريف شائعا يتداوله الجميع. ويعود شغفي بهذا التعريف إلى أنه لا ينطوي على معاداة للرجال إذ أن إشارته إلى التمييز على أساس الجنس يسمي الأشياء بمسمياتها ويأخذنا صوبا إلى صلب الموضوع. ومن الجهة العملية، فهو تعريف يفيد بأن التفكير والفعل  القائمين على هذا التمييز هما أساس المشكل سواء كرّسه الذكور أو الإناث، الأطفال أو الكهول. كما أن بإمكانه أن يشمل فهما للمأسسة النظامية للتمييز على أساس الجنس وبالتالي فهو تعريف مفتوح قوامه أن فهمنا للنسوية يعتمد أساسا على استيعابنا للتمييز على أساس الجنس.

كما يعلم كل مؤيدي النسوية، لا يفهم كل الناس معنى التمييز على أساس الجنس، وحتى إن فهموا ذلك فإنهم لا يرون فيه إشكالا. إذ أن عددا كبيرا من الناس يظن أن النسوية تتمحور دائما حول نساء يسعين فقط للمساواة مع الرجال. كما يعتقد أغلبهم أن النسوية معادية للذكور. ويعكس هذا الفهم الخاطئ حقيقة مصدرهم  إذ يستقي معظم الناس معلوماتهم عن النسوية من وسائل إعلام أبوية. فجل ما يسمعونه عن النسوية هو ما سوقته نساء التزمن أساسا بمساواة الجندر – أي المساواة في الأجر وأحيانا تقاسم الرجال والنساء الأعباء المنزلية ورعاية الأطفال. وهم يرون أن أولئك النسوة ينتمين عادة إلى الطبقة الميسورة من البيض. كما أخذوا عن  الإعلام أن تحرر المرأة مبني على حرية الإجهاض والحرية في أن يكنّ مثليّات وتحدي الاغتصاب والعنف. ومن بين هذه القضايا، يؤيد عدد كبير من الناس المساواة على أساس الجندر في مكان العمل- أي أجر متساو لقاء العمل المتساوي.

وبما أن مجتمعنا لا يزال يعتمد ثقافة “مسيحية” بالدرجة الأولى فإن عددا كبيرا من الناس يواصلون الاعتقاد بأن تابعية المرأة للرجل في الفضاء الأسري أمر إلهي. ورغم أن جحافلا من النساء دخلن سوق الشغل وأصبحن ربات ومعيلات بمفردهن للعديد من العائلات فإن التصور للحياة العائلية، الذي لا يزال يسيطر على مخيال الأمة والذي يحكمه منطق هيمنة الذكور، بقي على حاله سواء كان الرجال حاضرين في البيت أو غائبين عنه. وقد أدى المفهوم الخاطئ للحركة النسوية، الذي سوّق ضمنيا إلى أنها حركة معادية للذكور، إلى الافتراض الخاطئ بأن جميع مساحات الإناث هي بالضرورة مساحات لا وجود فيها للفكر الأبوي والتمييز على أساس الجنس. وقد انحازت إلى هذا التوجه أيضا العديد من النساء بما فيهن أولئك اللاتي انخرطن في السياسة النسوية.

وبالفعل كان التوجه نحو معاداة الذكور طاغيا لدى الناشطات النسويات في مرحلة أولى وكان ذلك ردا غاضبا على الهيمنة الذكورية. وقد كان هذا الغضب إزاء الظلم دافعا لبعث حركة تحرير المرأة.وقد تكوّن في البداية وعي لدى معظم الناشطات النسويات (وكان أغلبهن من البيض) حول طبيعة هيمنة الذكور أثناء نضالهن ضد الطبقية والميز العنصري جنبا إلى جنب مع رجال يتحدثون إلى العالم عن أهمية الحرية فيما كانوا يفرضون تبعية النساء لهم. وقد كان جليا أن الرجال كانوا يرغبون في القيادة وجعل النساء في الصف الثاني سواء كن نساء من البيض يناضلن من أجل الاشتراكية، أو نساء من السود يناضلن من أجل الحقوق المدنية وتحرر السود، أو أمريكيات من السكان الأصليين يناضلن من أجل حقوق جماعتهن. لقد أيقظت المساهمة في هذا النضال من أجل حرية جذرية روح التمرد والمقاومة عند الإناث التقدميات وقاد خطاهن نحو تحرر المرأة الحديث.

وبتطور النسوية المعاصرة وإدراك النساء أن الذكور لا يمثلون الفئة الوحيدة في المجتمع التي تدعم التمييز على أساس الجنس وما ينجر عنه من سلوك -فالإناث أيضا بإمكانهن أن ينخرطن في هذا التمييز- فإن الشعور بمعاداة الرجال لم يعد شاحذا لوعي الحركة. وتوجه التركيز نحو تكثيف الجهود لإرساء العدل على أساس الجندر. ولكنه من غير الممكن أن تتكتل النساء من أجل تعزيز النسوية دون أن تواجه فكرنا المتجذّر في التمييز على أساس الجنس. ولا تستطيع الرابطة الأختيّة أن تكون قوية ما دامت النساء يعشن حربا تنافسية فيما بينهن. فالرؤية الطوباوية للأختيّة المبنية فقط على الوعي بأن كل النساء هن بشكل ما ضحايا هيمنة الذكور تصدعت أمام النقاش القائم حول الطبقية والعرق. وقد سبق نقاش النسوية المعاصرة للفوارق الطبقية النقاش في مسألة العرق. فقد نشرت ديانا براس أفكارا ثورية حول الانقسامات الطبقية منذ منتصف السبعينات في كتاب يضم مجموعة من المقالات بعنوان الطبقية والنسوية. ولم تقلل هذه النقاشات من شأن تأكيد النسوية على أن “الأختية قوية” ولكنها أكدت فقط على أنه بإمكاننا أن نصبح أخوات في النضال عندما نواجه الأساليب، من جنس وطبقة وعرق،التي استغلت وهيمنت بواسطتها نساء على نساء أخريات وخلقت منصة سياسية لمعالجة هذه الفوارق.

ورغم أن أفرادا من النساء السوداوات كن ناشطات في الحركة النسوية المعاصرة منذ نشأتها، لم تصبح أيا منهن “نجمة” في الحركة تستقطب اهتمام الإعلام. وقد كانت هذه العناصر الناشطة في الحركة النسوية في معظم الأحيان من النسويات الثائرات (كما هو شأن العديد من المثليات البيضاوات). وقد كنّ قد دخلن في خلاف مع النسويات الإصلاحيات اللاتي سعين بثبات إلى ترسيخ رؤية للحركة مبنية فقط على المساواة بين النساء والرجال في النظام الراهن. وحتى قبل أن يصبح العرق قضية تثير الاهتمام في الأوساط النسوية، فقد كان جليا للنساء السوداوات (وحليفاتهن في الصراع من الثوريات) بأنهن لن يحصلن على المساواة في ظل نظام أبوي رأسمالي يسوده البيض. 

شهدت الحركة النسوية انقساما منذ نشأتها الأولى. إذ اتجهت المفكرات الإصلاحيات نحو التأكيد على مساواة الجندر في حين لم ترغب المفكرات الثوريات في مجرد تغيير للنظام السائد كي تحصل النساء على المزيد من الحقوق. كنا نريد أن نغير ذلك النظام ونضع حدا للنظام الأبوي والتمييز على أساس الجنس. وبما أن وسائل الإعلام الأبوية لم تكن مهتمة بالتوجه الثوري فإن هذا التوجه لم يحظى بأي دعم من وسائل الإعلام الرئيسية. ولا تزال رؤية”تحرير المرأة” التي تم تسويقها على كونها تفيد بأن النساء يرغبن فيما يمتلكه الرجال تسيطر على الخيال العام. وهي الرؤية الأسهل للتحقيق. وقد مهدت التغيرات في اقتصادنا الوطني، من ركود اقتصادي وفقدان للوظائف الخ، الطريق كي يتقبل المواطنون فكرة مساواة الجندر في أماكن العمل.

وانطلاقا من واقع التمييز العنصري فقد كان من البديهي أن الرجال البيض كانوا مستعدين للنظر في حقوق المرأة لأن ذلك يصب في مصلحة البيض ويدعم هيمنتهم. ولا ننسى أبدا أن حركة الحقوق المدنية سبقت تشديد النساء البيضاوات على مطلب الحرية،أي في الوقت الذي شهد فيه التمييز العنصري تراجعا مع إمكانية حصول مساواة بين القوى العاملة من الرجال السود ونظرائهم من البيض. وبذلك ألقى الفكر النسوي الإصلاحي، الذي ركز بالدرجة الأولى على المساواة مع الرجال في مواطن الشغل، بظلاله على الانطلاقة الجذرية الأصلية  للنسوية المعاصرة والتي دعت إلى الإصلاح وإلى إعادة هيكلة المجتمع كليًا كي يصبح بلدنا مناهضا للتمييز على أساس الجنس بصفة كاملة.

لقد توقفت العديد من النساء، خاصة البيضاوات الثريات، عن التفكير في الرؤى النسوية الثورية عندما بدأن الحصول على نفوذ اقتصادي داخل الهيكل الاجتماعي الحالي. وما يدعو للسخرية، فإن الأوساط الأكاديمية هي التي استقبلت واحتضنت الفكر النسوي الثوري. فعملت هذه الأوساط على تطوير نظرية للنسوية الثورية. إلا أن هذه النظرية لم تكن متاحة للجمهور العريض في معظم الأحيان. وتواصلت كخطاب متميز متاح لفئة متعلمة ومثقفة تنتمي عادة إلى طبقة مرفهة.فالكتب التي توفر رؤية تحررية لتغيير النسوية مثل النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز لم تجد عناية من التيار الرئيسي. كما لم يسمع بوجودها عدد كبير من الناس. فهم  لم يرفضوا مضمون الكتاب إذ لم يكونوا على دراية بهذا المضمون. 

وفي حين كان في صالح النظام الأبوي الأبيض والرأسمالي المهيمن إخماد الفكر النسوي التطلّعي الذي لا يدعو إلى معاداة الرجال أو إعطاء النساء الحق في التشبه بهم، فإن النسويات الإصلاحيات كن أيضا حريصات على إسكات هذه القوى إذ أصبحت النسوية الإصلاحية مصعدا اجتماعيا يتيح التحرر من هيمنة الرجال على القوى العاملة ويمنحهن حرية تقرير نمط العيش. وفي الوقت الذي يتواصل فيه التمييز على أساس الجنس، فإنهن يتمتعن بقدر كبير من الحرية في نفس النظام. وهن بذلك يعتمدن على طبقة مستضعفة من نساء خاضعات يتم استغلالهن للقيام بالعمل القذر الذي يأنفن القيام به. وبقبولهن، وهو تآمر فعلي،بخضوع الطبقة العاملة والفقيرات من النساء فإنهن لم يتحالفن مع النظام الأبوي القائم وما يتبعه من تمييز على أساس الجنس فحسب، بل سمحن لأنفسهن أن يعشن حياة مزدوجة يتساوين فيها مع الرجال في مواطن الشغل وفي البيت متى رغبن في ذلك. وفي حال اخترن المثلية، فإنهن يتمتعن بامتياز المساواة مع القوى العاملة من الرجال في حين يستعملن السلطة الطبقية لخلق نمط عيش عائلي يخترن فيه أن تكون علاقتهن بالرجال محدودة أو منعدمة.

لقد أقحم نمط العيش النسوي فكرة أن لكل امرأة نسختها الخاصة من النسوية. وبغتة، انتُزعت السياسة شيئا فشيئا من النسوية. فساد الادعاء بأن المرأة، بغض النظر عن سياستها المحافظة أو اللبرالية، تستطيع أن تؤقلم النسوية مع نمط العيش الذي تتواجد فيه. ومن الجلي أن هذا المنحى في التفكير يجد قبولا أكثر لأنه ينطوي على فكرة أن النساء يستطعن أن يكن نسويات دون أن يواجهن أنفسهن ويتغيرن بشكل جذري أو يغيرن الثقافة السائدة. ولنأخذ مسألة الإجهاض مثلا. إذا كانت النسوية حركة تهدف إلى إنهاء الاضطهاد والتمييز القائمين على الجنس وإذا كان حرمان الإناث من حقهن في تقرير الإنجاب شكلا من هذا الاضطهاد والتمييز، فلا نستطيع إذا رفض حق الاختيار والانتساب إلى النسوية معا. بإمكان المرأة أن تصر على أنها لن تختار الإجهاض شخصيًا مع تأكيدها لتأييدها حق النساء في الاختيار وتواصل بذلك تأييدها للسياسة النسوية. لكنها لا تستطيع أن تكون ضد الإجهاض ومؤيدة للنسوية في آن واحد. وفي نفس الوقت، لا يمكن أن تتواجد “قوة نسوية” إذا كانت هذه القوة مبنية على استغلال واضطهاد الآخرين.

إن السياسة النسوية بصدد فقدان زخمها لأن الحركة النسوية فقدت تعريفا واضحا لها. نحن نمتلك هذا التعريف. لنطالب به ونتقاسمه. لنبدأ من جديد. فليكن لدينا أقمصة وملصقات وبطاقات بريدية وموسيقى هيب-هوب وومضات اشهارية تلفزيونية وإذاعية ولوحات إعلانية في كل مكان. دعونا نستعمل كل أنواع المواد المطبوعة التي تخبر العالم عن النسوية. نستطيع أن نتقاسم رسالة بسيطة ولكنها جبارة: النسوية هي حركة تهدف إلى إنهاء الاضطهاد المرتبط بالتمييز على أساس الجنس.لنبدأ من هناك. فلتنطلق الحركة من جديد.


[1]Feminist Theory: From Margin to Center. South End Press, 1984.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *